الشيخ محمد رشيد رضا

206

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

التقليد ما فرق الأمة شيعا ، وجعل الاختلاف في الدين عندها دينا ، بانتساب كل شيعة وطائفة إلى رجل يلتزمون أقواله أو أقوال من يدعون اتباعه في كل مسألة وان خالفت نصوص الكتاب والسنة وما كان عليه جمهور الصحابة والتابعين ، هذا مع العلم بأن اللّه تعالى ذم المتفرقين المختلفين في الدين ، وبرأ رسوله منهم وتوعدهم بالعذاب العظيم ، وأمر بأن يرد ما تنازع فيه المؤمنون إلى اللّه ورسوله لا إلى أقوال الناس غير المعصومين ، وجعل وظيفة الكتاب الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وبين أنه لا يحمل على الاختلاف فيه الا البغي والضلال ، ثم إن كتاب اللّه تعالى قد أوجب العلم بالدين ، والتقليد ليس بعلم كما ثبت بالاجماع والعقل ، وطالب بالدليل ولا سيما في القول على اللّه عز وجل ، كقوله تعالى ( إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا ؟ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ ) السلطان البرهان وقد بينا بطلان التقليد وتناقض أهله في مواضع من التفسير والمنار واننا نذكر هنا ما حرره الامام الشوكاني في مسألة التقليد في الاحكام من كتابه ( ارشاد الفحول ، إلى تحقيق الحق من علم الأصول ) - قال رحمه اللّه تعالى : ( المسئلة الثالثة ) اختلفوا في المسائل الشرعية الفرعية هل يجوز التقليد فيها أم لا ؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز مطلقا . قال القرافي : ومذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد وابطال التقليد . وادعى ابن حزم الاجماع على النهي عن التقليد . قال : ونقل عن مالك أنه قال : أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق فاتركوه . وقال عند موته : وددت أني ضربت بكل مسئلة تكلمت فيها برأيي سوطا على أنه لا صبرلي على السياط . قال ابن حزم : فههنا مالك ينهى عن التقليد وكذلك الشافعي ( واحمد ) وأبو حنيفة ، وقد روى المزني عن الشافعي في أول مختصره انه لم يزل ينهى عن تقليده وتقليد غيره . انتهى وقد ذكرت نصوص الأئمة الأربعة المصرحة بالنهي عن التقليد في الرسالة التي سميتها « القول المفيد في حكم التقليد » فلا نطول المقام بذكر ذلك ، وبهذا تعلم أن المنع من التقليد ان لم يكن اجماعا فهو مذهب الجمهور . ويؤيد هذا ما سيأتي في المسئلة